المقريزي
103
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
قناطر السباع ، وخط السبع سقايات إلى قنطرة السدّ ، ومراغة مصر إلى المعاريج بمصر ، وإلى كوم الجارح ، ففي هذه المواضع كان العسكر والقطائع ، ويخص العسكر من بين ذلك ما بين قناطر السباع ، وحدرة ابن قميحة إلى كوم الجارح حيث الفضاء الذي يتوسط ما بين قنطرة السدّ ، وبين سور القرافة الذي يعرف بباب المجدم ، فهذا هو العسكر ، ولما استولى الخراب في المحنة أمر ببناء حائط يستر الخراب عن نظر الخليفة إذا سار من القاهرة إلى مصر ، فيما بين العسكر والقطائع ، وبين الطريق ، وأمر ببناء حائط آخر عند جامع ابن طولون . فلما كان في خلافة الآمر بأحكام اللّه أبي عليّ منصور بن المستعلي أمر وزيره أبو عبد اللّه محمد بن فاتك المنعوت بالأجل المأمون بن البطائحي ، فنودي مدّة ثلاثة أيام في القاهرة ومصر ، بأنّ من كان له دار في الخراب ، أو مكان فليعمره ، ومن عجز عن عمارته يبيعه أو يؤجره من غير نقل شيء من أنقاضه ، ومن تأخر بعد ذلك ، فلا حق له ولا حكر يلزمه ، وأباح تعمير جميع ذلك بغير طلب حق ، وكان سبب هذا النداء أنه لما قدم أمير الجيوش بدر الجماليّ في آخر الشدّة العظمى ، وقام بعمارة إقليم مصر ، أخذ الناس في نقل ما كان بالقطائع والعسكر من أنقاض المساكن حتى أتى على معظم ما هنا لك الهدم ، فصار موحشا ، وخرب ما بين القاهرة ومصر من المساكن ، ولم يبق هنا لك إلّا بعض البساتين ، فلما نادى الوزير المأمون عمّر الناس ما كان من ذلك ، مما يلي القاهرة من جهة المشهد النفيسيّ إلى ظاهر باب زويلة ، كما يرد خبر ذلك في موضعه من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى ، ونقلت أنقاض العسكر كما تقدّم ، فصار هذا الفضاء الذي يتوصل إليه من مشهد السيدة نفيسة ، ومن الجامع الطولونيّ ، ومن قنطرة السدّ ، ومن باب المجدم في سور القرافة ، ويسلك في هذا الفضاء إلى كوم الجارح ، ولم يبق الآن من العسكر ما هو عامر سوى جبل يشكر الذي عليه جامع ابن طولون ، وما حوله من الكبش ، وحدرة ابن قميحة إلى خط السبع سقايات ، وخط قناطر السباع إلى جامع ابن طولون ، وأما سوق الجامع من قبلية ، وما وراء ذلك إلى المشهد النفيسيّ ، وإلى القبيبات ، والرميلة تحت القلعة ، فإنما هو من القطائع كما ستقف عليه عند ذكر القطائع ، وعند ذكر هذه الخطط ، إن شاء اللّه تعالى ، وطالما سلكت هذا الفضاء الذي بين جامع ابن طولون ، وكوم الجارح ، حيث كان العسكر ، وتذكرت ما كان هنا لك من الدور الجليلة والمنازل العظيمة ، والمساجد والأسواق والحمامات والبساتين والبركة البديعة ، والمارستان العجيب ، وكيف بادت حتى لم يبق لشيء منها أثر البتة فأنشدت أقول : وبادوا فلا مخبر عنهم * وماتوا جميعا وهذا الخبر فمن كان ذا عبرة فليكن * فطينا ففي من مضى معتبر وكان لهم أثر صالح * فأين هم ثم أين الأثر